محمد بن علي الشوكاني
5122
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
مقيدة لتلك كما هو القاعدة أن المطلق يحمل على المقيد ، فقد صاروا في كنف الإسلام وحماه وعزته إلخ . أقول : الذلة والمسكنة مذكورتان في آية آل عمران ، مفعولتان لفعل هو ضربت ، فأين المقتضي للتقييد ؟ فإن قلتم : هو قول الله تعالى : { إلا بحبل من الله وحبل من الناس } ( 1 ) . قلنا : هو حجة عليكم لا لكم ؛ لأن المراد به نفي العزة عنهم في جميع الأحوال ، إلا في حال الالتجاء إلى الذمة بإعطاء الجزية ، فهذا الالتجاء والإعطاء هو غاية ما لهم من العزة ، وأنتم تجعلون إعطاء الجزية مع ما يصحبه من الإذلال كافيًا في الصغار الذي هو شرط ترك المقاتلة ، والقيد مشعر بخلاف ذلك . وهذا القلب مع كون فيه ما فيه لا يقصر عن دليل مطلوبكم من التقييد . قولكم : إنما عوهدوا على أداء الجزية . قلنا : القرآن والسنة مشعران بخلاف ذلك ، وما نقلتموه عن محمد بن إسحاق لا يفيدكم ؛ لأن غايته الاقتصار على الجزية ، وفي القرآن زيادة يجب قبولها بالإجماع ؛ لعدم منافاتها للأصل ، وهي قوله : { وهم صاغرون } وقد سلف تحقيق الصغار منا ومنكم ، وكذلك ما نقلتموه عن التلخيص وما بعده . قال : إذا تقرر هذا ، وعرفت أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - صالحهم على الجزية ، وعقد لهم بذلك [ 12 ] ذمة الله ، وذمة رسوله ، فكيف يجوز نقض ما عوهدوا عليه ، والزيادة على ما سن من السنة في أهل الكتاب ! أقول : لم ينقض ما عوهدوا عليه ، فنحن نقول بموجب كل ما ذكرتم ، ولم ترد على السنة التي سنها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ، وكيف لا ونحن لا نطلب منكم إلا ما أذن الله به من الصغار والإذلال ، بعد أن حققنا دلالتهما على محل النزاع ، فالله المستعان ، ولو كان مجرد
--> ( 1 ) [ آل عمران : 112 ] .